الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
87
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معنى مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ حيل بيننا وبين الكيل في المستقبل ، لأن رجوعهم بالطعام المعبر عنه بالجهاز قرينة أن المنع من الكيل يقع في المستقبل ، ولأن تركيب مُنِعَ مِنَّا يؤذن بذلك ، إذ جعلوا الكيل ممنوع الابتداء منهم لأن من حرف ابتداء . والكيل مصدر صالح لمعنى الفاعلية والمفعولية ، وهو هنا بمعنى الإسناد إلى الفاعل ، أي لن نكيل ، فالممنوع هو ابتداء الكيل منهم . ولمّا لم يكن بيدهم ما يكال تعيّن تأويل الكيل بطلبه ، أي منع منّا ذلك لعدم الفائدة لأننا لا نمنحه إلّا إذا وفينا بما وعدنا من إحضار أخينا . ولذلك صح تفريع فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا عليه ، فصار تقدير الكلام : منعنا من أن نطلب الكيل إلا إذا حضر معنا أخونا . فتعين أنه حكوا القصة لأبيهم مفصلة واختصرها القرآن لظهور المرد . والمعنى : إن أرسلته معنا نرحل للاكتيال ونطلبه . وإطلاق المنع على هذا المعنى مجاز ، لأنهم أنذروا بالحرمان فصار طلبهم ممنوعا منهم لأن طلبه عبث . وقرأ الجمهور نَكْتَلْ بنون المتكلم المشارك . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بتحتية عوض النون - على أنه عائد إلى أَخانا أي يكتل معنا . وجملة وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ عطف على جملة فَأَرْسِلْ . وأكدوا حفظه بالجملة الاسمية الدالة على الثبات وبحرف التوكيد . وجواب أبيهم كلام موجه يحتمل أن يكون معناه : إني آمنكم عليه كما أمنتكم على أخيه ، وأن يكون معناه ما ذا أفاد ائتمانكم على أخيه من قبل حتى آمنكم عليه . والاستفهام إنكاري فيه معنى النفي ، فهو يستفهم عن وجه التأكيد في قولهم : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . والمقصود من الجملة على احتماليها هو التفريع الذي في قوله : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً [ سورة يوسف : 64 ] ، أي خير حفظا منكم ، فإن حفظه اللّه سلّم وإن لم يحفظه لم يسلم كما لم يسلم أخوه من قبل حين أمنتكم عليه . وهم قد اقتنعوا بجوابه وعلموا منه أنه مرسل معهم أخاهم ، ولذلك لم يراجعوه في شأنه . و حافِظاً مصدر منصوب على التمييز في قراءة الجمهور . وقرأه حمزة والكسائي ، وحفص حافِظاً على أنه حال من اسم الجلالة وهي حال لازمة .